عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

226

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

السلاح أمامه . ولكل مملوك نفر من المماليك والغلمان يتبعونه . ويروي بعض الكتاب أنه أحصى الموائد المنصوبة في داره فوجدها ثلاثين ونيفا ، ويقال بل كانت أربعين . وكان يجلس إلى كل مائدة ثلاثون رجلا ، وعلى كل واحدة جدي أو جداء وبوارد وحلوى مما لذ وطاب « 1 » . وكذلك كان لحامد بن العباس وزير المقتدر أربعون مائدة يختلف إليها في كل غداء أفواج من الناس . ويقول الصابي في كتابه الوزراء انه كان لابن الفرات مطبخان : مطبخ للخاصة ومطبخ للعامة وكان يقدم إلى الأخير يوميا تسعون رأسا من الغنم وثلاثون جديا غير المئات من الدجاج ، وكان الخبازون وأصحاب الحلواء يعملون ليل نهار . ويصف لنا الصابي مائدة ابن الفرات الخاصة به وبأصحابه المقربين فيقول : انه كان يدعو إلى طعامه في كل يوم تسعة من أصفيائه الكتاب وكان بينهم أربعة نصارى : « فكانوا يقعدون من جانبيه وبين يديه ، ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء ، ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف . وكل طبق فيه سكين يقطع بها صاحبها ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى ، ومعه طست زجاجي يرمي فيه بالثفل . فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت الأطباق وقدّمت الطسوت والأباريق . فغسلوا أيديهم وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر ، ومن تحتها سفرة ( مفرش ) أدم فاضلة عنها . وحواليها مناديل . . . . فإذا وضعت رفعت المكبة ( غطاء الآنية والأغشية ) . وأخذ القوم في الأكل ، وابن الفرات يحدثهم ويؤانسهم ويباسطهم فلا يزال على ذلك ، والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين . ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه ويغسلون أيديهم ، والفراشون قيام يصبون الماء عليهم . والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقية ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم » « 2 » . هذه الحضارة والرفاهية تجعلنا نعتقد أن العباسيين لم يتركوا للمدنية الحديثة شيئا . وقد تأنق أبو جعفر محمد بن بسام « 3 » في اعداد مائدته وتزينيها بالورد والرياحين ،

--> ( 1 ) كتاب الوزراء للجهشياري : ص 112 ، والنجوم الزاهرة ج 3 - ص 208 والهمذاني ج 2 - ص 37 . ( 2 ) كتاب الوزراء للصابي : ص 240 . ( 3 ) تاريخ الإسلام السياسي . حسن إبراهيم حسن : ج 3 - ص 438 .